حديـــث الـــــسندباد
كاظم فنجان حسين الحمامي
من الصعب وصف البحر المتجهم وما ينطوي عليه من أذى فريد, فما أن يرد اسمه حتى تتبادر إلى الذهن تلك الملامح القاسية التي يتميز بها هذا المارد الذي يشكل تحد كبير للعاملين في البحر, وبالرغم من قوته وجبروته وامتداده الكبير ومزاجه المتقلب كان أبناء الخليج يتحدون الصعاب ويخوضون ظلمات البحار لكشف أسراره وخباياه.
وتعلم الخليجيون ركوب البحر لممارسة مهنة الصيد والإبحار إلى بنادر الخير الممتدة على شواطئ الخليج ولطلب الرزق الحلال, والانطلاق إلى الفضاءات المفتوحة, والتحرر من قيود الظلم والاستبداد, والتمرد على حدود الزمان والمكان, ومغادرة الواقع المؤلم الذي كان ملازما لهم على مدى الدهر, وللبحث عن الملاذ الآمن في الجزر النائية والآفاق البعيدة.
أواه يا أرض الحرائق والسموم
البحر أحنى من ضفافك، والشراع
أذرى إلي من الصنوبر، يا بحار
الملح فيك ألذ من عنب الدوالي فى المدينة
فخذى شراعى يا رياح خذى السفينة (1)
عرف الخليجيون كيف يصنعون بأيديهم الوسيلة المناسبة لارتياد البحر، متخذين من الرياح جناحا ومن الشراع جسرا ومن النجوم والكواكب فنارات يهتدون بها إلى بر الأمان, فبناء السفن التقليدية القديمة كان من الحرف المعقدة التي تميز بها أبناء الخليج في عصر ما قبل النفط، واستطاع الخليجيون تطوير صناعة السفن وجعلوها ذات أحجام منها الصغير ومنها الكبير وقد اشتهر في صناعة السفن عدد كبير من الرجال في جميع المدن الساحلية الواقعة على شط العرب والمرافئ الخليجية. فبرغم حلكة البحر ومتاهاته المروعة, وبرغم أعماقه السحيقة وأغواره المرعبة, غاصوا بأجسادهم العارية إلى قيعانه المحفوفة بالمخاطر لسبر أغواره السحيقة.
عريان إلا من سواد
تتهيب الأسماك منه. والبحار
أحنى من الأرض التي محلت. فلا عطر يضوع
فيها ولا نبتت كروم
نجح رجال الخليج في مواجهة أهوال البحر والتغلب عليها حينما اعتمدوا على خشب الصاج في صناعة مراكبهم, وذلك لمرونته وقوة تشكله حسب الطلب, ومقاومته للتلف.
وانفردت السفن الخليجية بخصائص تدل على خبرة صانعيها ودرايتهم بالأمور الملاحية، ومعرفتهم بالمسالك البحرية، فتميزوا بصناعة السفن القديمة ذات المؤخرة المرتفعة مثل ( البغلة والكوتية والغنجة), ونجحوا بصناعة السفن ذات التصميم الانسيابي مثل: (البوم والسنبوك والشوعي) وهذه الأنواع من السفن تستطيع أن توجه الوجهة الصحيحة المطلوبة خلال المناورات البحرية وفي الظروف الصعبة وعند اشتداد الرياح وتلاطم الأمواج وهيجان البحر، وبخاصة في المتاهات الخليجية المعروفة بكثرة الشعاب المرجانية والخلجان (الخيران) والترسبات الطينية والصخرية، فاختلاف التضاريس في هذه المنطقة أكسب الناس خبرة عالية وجعلهم أكثر مهارة، فارتقوا بمهنتهم الأصيلة إلى المستوى الذي يؤهلهم لخوض غمار البحار البعيدة, وتجاوزوا بخبرتهم هذه مياه الخليج حتى وصلوا إلى أقصى الأرض بأدواتهم الملاحية البسيطة.
أركبت مثلي "البوم " و " السنبوك " و " الشوعى " الكبير ؟
أرفعت أشرعة أمام الريح في الليل الضرير ؟
هل ذقت زادي في المساء على حصير ؟
من نخلة ماتت وما مات العذاب بقلبي الدامي الكسير
أسمعت صوت " دجاجة" الأعماق تبحث عن غذاء ؟
هل طاردتك " اللخمة " السوداء و " الدول " العنيد ؟
وهل انزويت وراء هاتيك الصخور ؟
في القاع و " الرماي " خلفك كالخفير
يترصد الغواص . هل ذقت العذاب ؟
مثلي وصارعت العباب
ورب سائل يسأل: كيف يمكن بناء سفينة قد تحمل ما يقارب 500 طن من البضائع دونما تصاميم مسبقة أو مخططات أولية ولو بسيط لها ؟ ولكن مثل هذا التساؤل هو ما جعل صناع السفن ورجال البحر في الخليج يشار إليهم بالبنان، أنهم أولا صناع مهرة ثم أنهم فنانون من الطراز الأول, وأنهم علماء بالفطرة بديناميكية المياه وكيفية التعامل مع الأمواج، وخبراء في حساب النسب الصحيحة للسفينة, ويمتلكون ذكاء مفرط وشجاعة منقطعة النظير, وبسالة خارج حدود الوصف, تسلحوا بالأيمان وصبروا على المكاره, فواجهوا قسوة البحر بعزم وإصرار. ونجحوا في تسجيل المآثر البطولية بحروف زينت جبهة البحر بأبهى صورة من صور الكفاح الحقيقي, كانت سفنهم مصنوعة من الخشب, لكن قلوبهم كانت اصلب من الفولاذ واطهر من البرد, كانت البساطة في التعامل فيما بينهم من الخصال التي انفردوا بها وميزتهم عن باقي الأمم, كان كل فرد منهم أكثر من سندباد في مغامراته وتحدياته وطموحه.
سأعيد للدنيا حديث " السندباد "
ماذا يكون السندباد ؟
شتان بين خيال مجنون وعملاق تراه
يطوى البحار على هواه
بحباله
بشراعه
بإرادة فوق الغيوم
بيد تكاد عروقها الزرقاء ترتجل النجوم
تنكرت لهم السواحل المقفرة والشواطئ المجدبة, وفتكت بهم الأمراض والأوبئة, وطاردتهم جيوش الجفاف والسنين العجاف, ولاحقتهم الأحزان والآلام حيثما ساروا بين كثبان الصحاري الراقدة تحت عباءة الرمال منذ آلاف السنين, صحراء جرداء خاوية تعصف بها رياح السموم ويخيم عليها البؤس والشقاء, فاختاروا اقتحام أمواج البحر والولوج في لجته وترويض حيتانه. ففتح لهم البحر كنوزه وحمل لهم سلال الغذاء التي لا تنضب, كان البحر بستانهم وملعبهم ومؤنسهم ومدرستهم ومقبرتهم, تعلم منهم الناس فنون الملاحة وأساليب الإبحار وعلوم الفلك, وسجلوا بين الأمم ابهى الانتصارات في ذاكرة التاريخ البحري, وكسروا كل قيود الظلم والعذاب.
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ